اسماعيل بن محمد القونوي
434
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المشتمل على القرب فأخذ منه الأخذ من أدنى مكان للمناسبة ثم شاع لمطلق الأخذ إطلاقا لاسم الخاص على العام أو إطلاق اسم المقيد على المطلق كما هو المعروف في مثله فلا منافاة لما صرح به النحاة . قوله : ( ثم استعير للرتب ) أي لفظة دون بمعنى أدنى مكان من الشيء للرتب أي للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيها لها بالمراتب الحسية ثم شاع حتى كثر استعماله فيه أكثر من الأصل فصار كالحقيقة العرفية وإن اعتبر القرب مع التفاوت فالاستعارة باعتبار المعنيين جميعا وإلا فباعتبار المعنى الثاني قوله ( فقيل زيد دون عمرو أي في الشرف ) مع أن الشرف متحقق في زيد . قوله : ( ومنه الشيء الدون ) وهو الردي الدني الحقير وفيه إشارة إلى رد الكشاف حيث ذكره بعد قوله ومعنى دون أدنى مكان من الشيء ثم ذكر الاستعارة مع أن الصواب أن يذكر بعد ذكر الاستعارة ولعل العلامة نظر إلى أن الشيء الدون مأخوذ من دون أدنى مكان لاشتماله الانحطاط بلا ملاحظة القرب . قوله : ( ثم اتسع ) أي تجوز قوله ( فيه ) أي في هذا المستعار قوله ( فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى أمر إلى أمر آخر ) ولو بدون انحطاط وهذا يؤيد صحة المجاز من المجاز ولقد أغرب من أنكر هذا المجاز وسره على ما أشار إليه قدس سره أنه لما شاع وصار هذا المجاز مشهورا ينزل منزلة الحقيقة حتى يبنى عليه مجاز آخر بمرتبة أو بمراتب ولو أراد المنكر المجاز الغير المشهور لا يبنى عليه مجاز آخر لم يبعد والمراد بالاستعارة هنا اصطلاحية لكون العلاقة المشابهة إذ الذي أدنى مكان من الشيء تجاوز من حد الاستواء مكانا فمطلق التجاوز مشترك بينهما ويحتمل أن يكون مراده النقل لكن لما كان هذا النقل من قبيل نقل اسم الحقيقي ولو تنزيلا إلى المعنى المجازي عبر بالاستعارة بل هو الأظهر المتعارف لا سيما في القرآن فإنه لا يكاد أن يوجد أكثر استعمال دون في غير هذا المعنى سوى قوله ومعنا دون ذلك ونحو ذلك من الأمثلة المعدودة وهو أمارة النقل قوله : ( قال اللّه تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 28 ] ) غرضه من هذا أن حمل دون على التجاوز أولى لما ذكرنا من أنه منقول أو في حكمه مع استقامة المعنى لأن المعنى ح كما صرح به لا يتجاوزوا عن ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين مطلقا سواء كانت مع المساواة مع ولاية المؤمنين أو على الانحطاط عنها وما قاله الزجاج من أن المعنى أن المكان المرتفع في باب الولاية مكان المؤمنين دون الكافرين فيرد عليه أنه يكون النهي المراد من النفي النهي عن الولاية على الانحطاط والنهي من الولاية على طريق المساواة يحتاج إلى القول بأنه أولى فلذا لم يلتفت إليه المص واستدل على ذلك بالآية المذكورة كذا فهم من تقرير بعض المحشيين قوله أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين الواو في ولاية مفتوحة بمعنى الصداقة وجوز الكسر بمعنى الموالاة .